الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
203
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
برأسها ، لأنه يقول : إلا أن يكون التصرف في أموال الآخرين بسبب التجارة الحاصلة في ما بينكم ، والتي تكون عن رضا الطرفين . فبناء على هذا تكون جميع أنواع المعاملات المالية والتبادل التجاري الرائج بين الناس - في ما إذا تم برضا الطرفين وكان له وجه معقول - أمرا جائزا من وجهة نظر الإسلام ( إلا الموارد التي ورد فيها نهي صريح لمصالح خاصة ) . ثم أنه تعالى ينهى في ذيل هذه الآية عن قتل الإنسان لنفسه إذ يقول : ولا تقتلوا أنفسكم وظاهر هذه الجملة بقرينة قوله : إن الله كان بكم رحيما النهي عن الانتحار ، يعني أن الله الرحيم كما لا يرضى بأن تقتلوا أحدا ، كذلك لا يسمح لكم ولا يرضى بأن تقتلوا أنفسكم بأيديكم ، وقد فسرت الآية الحاضرة في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) بالانتحار أيضا ( 1 ) . وهنا يطرح سؤال وهو : أي ارتباط بين مسألة قتل الإنسان لنفسه ، و " التصرف الباطل في أموال الناس " ؟ إن الجواب على هذا السؤال واضح تماما ، وفي الحقيقة يشير القرآن بذكر هذين الحكمين بصورة متتالية إلى نكتة اجتماعية مهمة ، وهي أن العلاقات الاقتصادية في المجتمع إذا لم تكن قائمة على أساس صحيح ، ولم يتقدم الاقتصاد الاجتماعي في الطريق السليم ، ووقع الظلم والتصرف العدواني في أموال الغير أصيب المجتمع بنوع من الانتحار ، وآل الأمر إلى تصاعد حالات الانتحار الفردي مضافا إلى الانتحار الجماعي الذي هو من آثار الانتحار الفردي ضمنا . إن الحوادث والثورات التي تقع في المجتمعات العالمية المعاصرة خير شاهد وأفضل دليل على هذه الحقيقة ، وحيث أن الله لطيف بعباده رحيم بخلقه فقد أنذرهم وحذرهم من مغبة الأمر ، وحثهم على تجنب المبادلات الاقتصادية
--> 1 - راجع تفسير مجمع البيان ، ذيل الآية ، وتفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 472 .